Posted by: me on: 07/03/2010
الغرباء
أنت عايز تموتنا!” صرخ علي.
تتعالى الضحكات و النكات و يرد صاحبه بسخرية: “يا ابني هو الطريق ده أخره معايا ساعة و نص أصلا، نام بقى!”
ظل علي يرتعد و يتصبب عرقا ولكن ليس فقط من جراء السرعة إنما من جراء الجرعة المخدرة الزائدة التي تعاطاها مع أصدقائه في هذه الليلة.
أضواء عالية تظهر أمامهم في المرآة، ميكروباص أخر يريد أن يتخطاهم ولكن حسام يأبى أن يفسح له الطريق و تبدأ المناورة مع تزايد دقات قلب الجميع, أحدهم يردد: “خلاص بقى يا حسام فكك منه عديه.” الغضب و التصميم في نظرات حسام المجنونة و المتوترة تقول إنه لن يتوقف مما استفز سائق العربة، ففقد أعصابه و اصطدم بسيارتهم حتى انفلتت من حسام عجلة القيادة و دارت السيارة حول نفسها عدة مرات و انتهت على الجانب الأخر من الطريق لتصطدم بسيارة نقل كبيرة.
يتكرر هذا المشهد يوميا في الطرق السريعة بل و أيضاً في شوارع المدينة. نحن نراهم و هم يسابقون الموت ولكن لا يكترث بهم أحد، فقط نكتفي بالدعاء لهم أو عليهم!
عدت من العزاء منهكة حزينة محبطة لا أفكر إلا بسؤالٍ واحد: لماذا؟ أمسكت بجهاز تحكم التلفزيون وأخذت أقلب بين القنوات للهرب من تدفق الأفكار في رأسي وتوقفت عند خبر يذاع على لسان أسامه هيكل نائب رئيس تحرير جريدة الوفد الغراء والذي كان يحمل هذا العنوان: طالبة بالثانوي تختطف طفلة وتقتلها وتدفن جثتها في بئر السلم، وانقل لكم الخبر كما تكلم به: “طالبة ثانوي في مدينة زفتي. تجاري السنة الثانية اسمها هند خطفت جارتها اللي هي طفلة في الثانية ابتدائي اسمها سارة أو إسراء، وطلبت فدية من أبوها اللي هو جارهم 300,000 جنيه عشان تفرج عن ابنته إسراء، فرفض، فراحت «خنقه» الطفلة ونزلت دفنتها في بير السلم!”
ماذا يحدث لأبناء جيلي؟ لم نكن نسمع من قبل عن فتيات في هذا العمر بهذه القسوة و خاصةً على الأطفال. إن العامل المشترك الوحيد بين الوقعتين هو الجريمة ففي الحالة الأولى كانت الجريمة في حق أنفسهم و في الحالة الثانية كانت طعنة في قلب البراءة و الطفولة و كل المعاني النبيلة الفطرية التي تولد بداخلنا، ما الذي حول أنسة في العشرين إلى وحشٍ كاسر غليظ القلب عديم الرحمة! الفقر؟ الإحباط؟ لطالما كان هناك فقراء ولم يكونوا بهذه الشراسة و الوحشية!
أسئلة كثيرة تدور في ذهني و قصص مشابهة تراءت إلى ذاكرتي في محاولة يائسة لاستيعاب المشكلة بكل أبعادها.
ما الذي يدفع هؤلاء الشباب إلى هذا المصير؟ هل هو اليأس؟ هل هو الملل؟ أم جنون الشباب؟ ولكن الحماسة والجموح لم يكونوا بهذه البشاعة من قبل!
نحن أمام قضيتان مختلفتان تماماً من حيث الظروف الإجتماعية و الثقافية.
ففي المأساة الأولى كان الشباب من الطبقة الراقية المترفة, طلاب بكلية خاصة للهندسة في طريق عودتهم بعد شراء سيارة جديدة لأحدهم، لم يكن أبائهم قساة القلب و لم تكن أمهاتهم الثكلى في منأى عنهم. إذن ما الذي أفدى بهم لنهاية كهذه؟
من المسئول عن جرائم الشباب في مجتماعتنا؟ الأسرة و التربية أم المدرسة و الرفاق؟ أم المجتمع ككل؟
كل ما توصلت إليه بعد قراءة بعض النظريات عن العنف و الجريمة لعلماء الإجتماع و علم النفس أذكر منها رأي عالم الإجتماع الشهير إميل دوركايم الذي أشار فيما معناه أن الجريمة قادرة على اطلاق سراح بعض التوترات الإجتماعية، و على الجانب النفسي، تطرق فرويد إلى مشكلة عدم التوازن في الشخصية و الذي يكون في الغالب على أساس الأداء للهوية ، والأنا والأنا العليا مما يؤدى إلى القمع الذي يمكن أن يتطور في وقت لاحق إلى السلوك الإجرامي.
إذن فالسبب هو افتقارهم إلى معنىً للحياة و الهدف منها و عدم وعيهم بدورهم في المجتمع، هذا المجتمع الذي همشهم و جعلهم يعتقدون إن دورهم لم يأتي بعد حتى تولد لديهم الشعور بالعزلة والإغتراب. فالشباب لا ينمو لديهم إحساساً بالمسئولية تجاه بلده أو مجتمعه إلا في سن متأخر جداً و ربما لا يأتي هذا الشعور أبداً و هذا ما يحدث في الغالب.
وفي النهاية لا أريد أن أختم مقالي بالحديث عن دور المجتمع تجاه الشباب فكلنا نعلم ما علينا فعله و هو بإختصار إعطاء الفرصة للشباب للشعور بالإنتماء و الوطنية و القيمة الذاتية و الأمل في إحداث تغيير حقيقي في وطنه في كل المجالات و على جميع المستويات، الدراسي و المهني و السياسي…إلخ.
بل أريد أدق ناقوس الخطر، فمتى نفيق من غفوتنا؟ متى نعيرهم إهتماماً حقيقياً؟ أرجو أن لا يكون بعد فوات الأوان حتى لا نفاجئ بجيل كامل من المجرمين و المدمنين و العاطلين و السفهاء في العقود القادمة و حتى لا نخول مستقبل الوطن إلى أجيال من الغرباء.
0.000000
0.000000
Advertisement
Like this:
Be the first to like this post.
01/09/2010 at 1:09 AM
واقع مؤلم بكل تفاصيله
المشكلة تبدأ مننا و تنتهي عندنا
و لكننا لا نستطيع التسليم لهذه الحقيقة
فأسهل من الاعتراف بالخطأ
دفعه نحو الآخرين
سعيد لأنكِ تكتبين
أمنياتي بكل خير و توفيق لكِ أختاه